18/06/2026
من يرمّم وجه الثقافة في الرقة؟!
..
من حق أي مؤسسة ثقافية أن تفتخر بما تنظمه من ندوات ومحاضرات وأمسيات أدبية، ومن حقها أيضاً أن تتحدث عن دورها في احتضان المثقفين والكتّاب والشعراء، وأن ترفع شعارات الاهتمام بالفكر والإبداع والكلمة الحرة. لكن من حقنا، في المقابل، أن نسأل سؤالاً بسيطاً جداً: هل تعجز مديرية الثقافة في الرّقة حقاً عن شراء علبة دهان؟
أليس من الغريب أن تُقام الندوات الأدبية، وتُوجَّه الدعوات إلى الأدباء والمثقفين، وتُلتقط الصور التذكارية، وتُنشر الأخبار والتقارير، بينما يجلس الضيوف خلف طاولات خشبية متعبة، شاحبة، مهترئة، تبدو وكأنها خارجة للتو من مستودع مهجور نسيه الزمن؟
لقد لفت انتباهي، وأنا أتابع صور إحدى الندوات الأدبية التي أقيمت بالتعاون مع دار توتول للطباعة والنشر والتوزيع، ذلك المشهد الذي لا يحتاج إلى كثير من التدقيق؛ طاولات خشبية باهتة اللون، فقدت رونقها منذ سنوات طويلة، وجدران وصالة تستحق شيئاً من العناية والاهتمام. ولم يكن الأمر بحاجة إلى لجنة فنية أو دراسة استراتيجية أو موازنة بملايين الدولارات، بل ربما إلى سطل دهان وبعض الاهتمام فقط.
فهل أصبحت علبة الدهان من الكماليات التي تعجز عنها المؤسسات الثقافية؟ أم أن الثقافة عندنا تقتصر على الكلمات والخطب والصور التذكارية، بينما تُترك التفاصيل الصغيرة التي تعكس صورة المكان وهيبته لتواجه مصيرها وحدها؟
إن الثقافة ليست محاضرة تُلقى فحسب، وليست قصيدة تُقرأ فقط، بل هي أيضاً صورة المكان، وأناقة القاعة، واحترام الضيف، والعناية بأدق التفاصيل التي توصل رسالة غير مكتوبة مفادها أن هذه المؤسسة تحترم نفسها وتحترم من يرتادها.
ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن مبالغ كبيرة تُنفق أحياناً في اتجاهات لا يلحظها أحد ولا تترك أثراً يُذكر، بينما تُهمل أمور بسيطة كان يمكن أن تغيّر المشهد كله، وتمنح المكان شيئاً من الجمال والهيبة والاحترام. فليس مطلوباً بناء قصر ثقافي جديد، ولا استيراد أثاث فاخر من وراء البحار، بل مجرد لمسة عناية تقول للناس إن الثقافة ليست شعارات تُرفع، بل ممارسة تبدأ من أبسط الأشياء.
إن صورة الطاولات التي جلس خلفها ضيوف الندوة لم تكن مجرد تفصيل عابر، بل كانت رسالة بصرية صامتة تقول الكثير. فالزائر لا يقرأ الكلمات فقط، بل يقرأ المكان أيضاً، ويكوّن انطباعه من المشهد كله، لا من مضمون الندوة وحده.
لذلك يبدو السؤال مشروعاً: ألا تستحق هذه الطاولات بعض الاهتمام؟ ألا تستحق القاعة شيئاً من الترميم والتجميل؟ أم أن علينا أن نقتنع بأن الثقافة يمكن أن تزدهر فوق الخشب المتشقق والجدران المتعبة؟
عجيب حقاً أن نتحدث عن تجديد الفكر، بينما نعجز عن تجديد طاولة. وأن ننشغل بإصلاح الوعي، بينما نهمل إصلاح أبسط ما تقع عليه العين.
إنها مفارقة تستحق التأمّل... وربما تستحق، قبل أي شيء آخر، علبة دهان.
عبد الكريم البليخ
18/6/2026