الرّقة بلا أقنعة

الرّقة بلا أقنعة صفحة تُعنى بالشأن المحلي بالرّقة والوطني بصورة عامة، وتسعى إلى نقل الحقيقة بصدق، وإبراز قضايا الناس بعيداً عن التزييف والمصالح الضيّقة.

لماذا الرّقة الوثائقية؟
..
لأنها نافذة تطلّ على أهلها بروح نابضة بالحياة، تحاكي واقعهم، وتروي قصصهم، وتوثّق تفاصيلهم الصغيرة والكبيرة، كما يرونها هم، لا كما تُروى عنهم. هي مرآةٌ صادقة تعكس نبض المدينة، تحفظ ذاكرتها من الضياع، وتنقل أوجاعها وأفراحها بأمانة وصدق، لأن كل حكاية تستحق أن تُروى، وكل إنجاز يستحق أن يُضاء.
الرّقة الوثائقية ليست مجرد مجموعة عابرة في زحام الفضاء الإلكتروني، بل هي مساحة تح

تضن إبداعات أبناء هذه المدينة، بمختلف مشاربهم وتخصصاتهم، من الأدب إلى الفن، ومن الرياضة إلى العلوم، ومن حكايات الماضي إلى وقائع الحاضر. هنا، نحتفي بالمواهب، نسلّط الضوء على الطاقات، ونوثّق إرث الرّقة الثقافي والاجتماعي، الذي لم يتوقف يوماً عن النمو والتجدّد.
أبناء الرّقة لوحة فسيفسائية نابضة بالألوان، يحمل كل واحد منهم بصمته الخاصة، وتاريخه الذي يروي ملامح هذه الدرة الفراتية. في لهجتهم ما يُعرف بهويتهم، وفي كلماتهم عبق المكان وروح النهر الذي يشقّ طريقه عبر الزمن، شاهداً على كل من مرّ وترك أثره في هذه الأرض الطيبة.
الرّقة الوثائقية ليست حكراً على أحد، بل أبوابها مشرّعة لكل من يستحق أن يُروى عنه، ولكل من يحمل في قلبه قصةً لم تُكتب بعد. هدفنا أن نقدم محتوى يلامس الروح، يوقظ الذكريات، ويمنح للأماكن والأشخاص صوتاً وصورةً تحفظهم من النسيان.
هنا، حيث الكلمة والصورة تلتقيان، نرسم ملامح الرّقة كما كانت وكما هي، كما يراها أهلها، وكما يجب أن تبقى: شامخةً، نابضةً، لا تموت في الذاكرة.

عبد الكريم البليخ
12/3/2025

من يرمّم وجه الثقافة في الرقة؟!..من حق أي مؤسسة ثقافية أن تفتخر بما تنظمه من ندوات ومحاضرات وأمسيات أدبية، ومن حقها أيضا...
18/06/2026

من يرمّم وجه الثقافة في الرقة؟!
..
من حق أي مؤسسة ثقافية أن تفتخر بما تنظمه من ندوات ومحاضرات وأمسيات أدبية، ومن حقها أيضاً أن تتحدث عن دورها في احتضان المثقفين والكتّاب والشعراء، وأن ترفع شعارات الاهتمام بالفكر والإبداع والكلمة الحرة. لكن من حقنا، في المقابل، أن نسأل سؤالاً بسيطاً جداً: هل تعجز مديرية الثقافة في الرّقة حقاً عن شراء علبة دهان؟
أليس من الغريب أن تُقام الندوات الأدبية، وتُوجَّه الدعوات إلى الأدباء والمثقفين، وتُلتقط الصور التذكارية، وتُنشر الأخبار والتقارير، بينما يجلس الضيوف خلف طاولات خشبية متعبة، شاحبة، مهترئة، تبدو وكأنها خارجة للتو من مستودع مهجور نسيه الزمن؟
لقد لفت انتباهي، وأنا أتابع صور إحدى الندوات الأدبية التي أقيمت بالتعاون مع دار توتول للطباعة والنشر والتوزيع، ذلك المشهد الذي لا يحتاج إلى كثير من التدقيق؛ طاولات خشبية باهتة اللون، فقدت رونقها منذ سنوات طويلة، وجدران وصالة تستحق شيئاً من العناية والاهتمام. ولم يكن الأمر بحاجة إلى لجنة فنية أو دراسة استراتيجية أو موازنة بملايين الدولارات، بل ربما إلى سطل دهان وبعض الاهتمام فقط.
فهل أصبحت علبة الدهان من الكماليات التي تعجز عنها المؤسسات الثقافية؟ أم أن الثقافة عندنا تقتصر على الكلمات والخطب والصور التذكارية، بينما تُترك التفاصيل الصغيرة التي تعكس صورة المكان وهيبته لتواجه مصيرها وحدها؟
إن الثقافة ليست محاضرة تُلقى فحسب، وليست قصيدة تُقرأ فقط، بل هي أيضاً صورة المكان، وأناقة القاعة، واحترام الضيف، والعناية بأدق التفاصيل التي توصل رسالة غير مكتوبة مفادها أن هذه المؤسسة تحترم نفسها وتحترم من يرتادها.

ولعل أكثر ما يثير الاستغراب أن مبالغ كبيرة تُنفق أحياناً في اتجاهات لا يلحظها أحد ولا تترك أثراً يُذكر، بينما تُهمل أمور بسيطة كان يمكن أن تغيّر المشهد كله، وتمنح المكان شيئاً من الجمال والهيبة والاحترام. فليس مطلوباً بناء قصر ثقافي جديد، ولا استيراد أثاث فاخر من وراء البحار، بل مجرد لمسة عناية تقول للناس إن الثقافة ليست شعارات تُرفع، بل ممارسة تبدأ من أبسط الأشياء.
إن صورة الطاولات التي جلس خلفها ضيوف الندوة لم تكن مجرد تفصيل عابر، بل كانت رسالة بصرية صامتة تقول الكثير. فالزائر لا يقرأ الكلمات فقط، بل يقرأ المكان أيضاً، ويكوّن انطباعه من المشهد كله، لا من مضمون الندوة وحده.
لذلك يبدو السؤال مشروعاً: ألا تستحق هذه الطاولات بعض الاهتمام؟ ألا تستحق القاعة شيئاً من الترميم والتجميل؟ أم أن علينا أن نقتنع بأن الثقافة يمكن أن تزدهر فوق الخشب المتشقق والجدران المتعبة؟
عجيب حقاً أن نتحدث عن تجديد الفكر، بينما نعجز عن تجديد طاولة. وأن ننشغل بإصلاح الوعي، بينما نهمل إصلاح أبسط ما تقع عليه العين.
إنها مفارقة تستحق التأمّل... وربما تستحق، قبل أي شيء آخر، علبة دهان.

عبد الكريم البليخ
18/6/2026

عايد السراج نصف قرن من الكتابة..في بادية الرّقة، غير بعيد عن أطلال الرصافة التاريخية، بدأت الحكاية الأولى لعايد سعيد الس...
17/06/2026

عايد السراج
نصف قرن من الكتابة
..
في بادية الرّقة، غير بعيد عن أطلال الرصافة التاريخية، بدأت الحكاية الأولى لعايد سعيد السراج؛ هناك حيث كانت مرابع أهله تمتد جنوب المدينة العتيقة، وحيث يفتح الرمل أبوابه للريح، ويغدو الصمت لغةً أخرى للوجود. في ذلك الفضاء الرحب أبصر النور في الأول من كانون الثاني عام 1955، فتشكّلت ذاكرته المبكرة بين اتساع الصحراء وهيبة المكان وعبق التاريخ. ولم تكن البادية في حياته مجرد مسقط رأس، بل كانت الجذر العميق الذي غذّى حساسيته تجاه الحرية، ومنح روحه شيئاً من صلابتها وشموخها. ومنذ طفولته الأولى، بدت الكلمات في وعيه شبيهة بخطوات البدوي فوق الرمل؛ حرّة، بعيدة المدى، لا تعترف بالأسوار، ولا تستكين للحدود.
كانت الرصافة، بأطلالها الحجرية وصمتها التاريخي، تقف على تخوم طفولته كأنها شاهد على تعاقب الحضارات وهشاشة المصائر. وبين بقايا العمران القديم وامتداد البادية، نشأ السِّراج في بيئة تختلط فيها الحكاية الشعبية بالتاريخ، والشعر الشفهي بأصوات الرعاة والمسافرين. وقد ترك هذا المكان أثره العميق في تجربته اللاحقة؛ فظلّت الصحراء والفرات والليل والطيور والماء مفردات متكررة في عالمه الشعري، لا بوصفها عناصر طبيعية فحسب، بل رموزاً للحرية والوحدة والرحيل والمقاومة.
غير أن الطفولة الهادئة سرعان ما واجهت حدثاً قاسياً غيّر مسار الأسرة كلها. فقد شبّ حريق في بيت أهله، وبينما كانت والدته تحاول إنقاذ ما تملكه من الذهب وسط النيران، التهم اللهب أجزاء من جسدها، وأصابها بحروق شديدة استدعت علاجاً طويلاً امتد سنوات. لم يكن الحريق حادثة عابرة في ذاكرة الطفل، بل جرحاً نفسياً مبكراً جمع بين الخوف على الأم، وضياع البيت، والإحساس المفاجئ بأن الأشياء التي يظن الإنسان أنها ثابتة يمكن أن تتحول إلى رماد في لحظات.
بسبب إصابة والدته وحاجتها إلى العلاج، انتقلت الأسرة سنة 1959 إلى مدينة الرّقة. وهكذا خرج الطفل من فضاء البادية المفتوح إلى مدينة آخذة في النمو والتشكل، تتجاور فيها الأحياء الطينية القديمة مع الشوارع الحديثة، وتلتقي فيها الذاكرة القبلية والريفية بالحياة المدنية الجديدة. كان الانتقال أكثر من تغيير في مكان الإقامة؛ لقد وضعه بين عالمين: عالم الصحراء بما فيه من صفاء وخشونة، وعالم المدينة بما يحمله من مدارس ومكتبات وأسواق وتناقضات اجتماعية وسياسية.
في الرّقة، بدأ تعلّم القرآن الكريم على يد أحد الشيوخ، فأظهر قدرة لافتة على الحفظ وسرعة في الاستيعاب أثارتا إعجاب من حوله. ومن المحتمل أن تكون لغة القرآن، بإيقاعها وصورها وتراكيبها، قد أسهمت في صقل أذنه اللغوية منذ الصغر، وفتحت أمامه باباً واسعاً إلى أسرار العربية. ولم يكن الحفظ بالنسبة إليه مجرد تدريب ذهني، بل كان بداية اتصال عميق بالكلمة، وبقدرتها على التأثير في النفس وصناعة الصور والمعاني.
دخل المدرسة الابتدائية سنة 1962، وبرز بين أقرانه بتفوقه ونشاطه. راح يحفظ الشعر ويقرأ ما يقع بين يديه من كتب، حتى بدأت ميوله الأدبية تظهر بوضوح. وفي الصف الخامس الابتدائي كتب محاولاته الشعرية الأولى، في سنّ كان كثير من الأطفال فيها لا يزالون يكتشفون العالم، بينما كان هو يحاول إعادة تشكيله بالكلمات.
إلى جانب اهتمامه بالأدب، مارس كرة السلة وكرة القدم، وتميّز فيهما. وقد كشفت الرياضة جانباً آخر من شخصيته؛ فهي منحته روح الفريق، وسرعة المبادرة، والقدرة على الاحتمال والمواجهة. غير أن الأدب استحوذ عليه تدريجياً، فانتقل من مطاردة الكرة في الملاعب إلى مطاردة المعنى في القصائد والقصص، وإن ظلّت في كتابته لاحقاً حيوية اللاعب واندفاعه ورغبته في كسر الحواجز.
واجه السراج في سنوات المراهقة امتحاناً إنسانياً بالغ القسوة، حين توفي والده قبل موعد امتحان الشهادة الإعدادية بيومين فقط. وقف الفتى أمام الفقد في واحدة من أكثر لحظات حياته حساسية، وكان عليه أن يدخل قاعة الامتحان حاملاً حزنه وأسئلته وصدمة الغياب. ومع ذلك نجح في الشهادة الإعدادية، وكأن النجاح يومها كان نوعاً من الوفاء للأب، وإعلاناً مبكراً عن قدرة الابن على مقاومة الانكسار.
بعد ذلك انتقل إلى مدينة حمص للدراسة في دار المعلمين. وكان خروجه من الرّقة محطة جديدة في تكوينه؛ ففي حمص اتسعت دائرة معرفته، واحتكّ بأوساط ثقافية وتعليمية أكثر تنوعاً. وفي السنة الأولى من دراسته بدأ نشر الشعر والقصة والمقالات الأدبية في الصحف والمجلات السورية. استخدم في نشر كتاباته أسماء متعددة، منها: حوريس، وعايد السراج، وعايد سعيد السراج، وعايد سعيد السراج الدليمي. وربما عبّرت هذه الأسماء عن مراحل مختلفة في بحثه عن هويته الأدبية، أو عن رغبته في حماية الكاتب داخله من سلطة الرقابة والملاحقة.
لم تكن كتاباته بعيدة عن قضايا المجتمع وأسئلته. فقد اتسمت بالجرأة والنبرة النقدية، الأمر الذي جلب له مضايقات من بعض الجهات الرسمية والأمنية. وفي السنة الثانية من دار المعلمين فُصل من المدرسة، ومُنع، بحسب روايته، من القبول في مدارس أخرى. كما واجه لاحقاً صعوبات في الالتحاق بوظائف الدولة، وتعرّض للفصل من العمل أكثر من ثلاث مرات، بذريعة اعتباره خطراً على أمن الدولة.
لم يكن هذا الإقصاء إدارياً فقط، بل كان محاولة لمصادرة مستقبله وإجباره على الصمت. إلّا أن المنع زاده تمسكاً بالكلمة، وحوّل الكتابة عنده من موهبة فردية إلى موقف أخلاقي. فحين تُغلق المؤسسات أبوابها في وجه الكاتب، تصبح الورقة وطناً بديلاً، ويتحول الشعر إلى مساحة حرية لا تستطيع القرارات الرسمية إغلاقها.
كتب عايد سعيد السراج في أجناس أدبية متعددة؛ فأنجز الشعر الفصيح والشعبي، والقصة القصيرة، والرواية، والمقالة، والدراسات الأدبية والنقدية والفكرية. ونشر مئات النصوص في الصحف والمجلات العربية، ومنها: الموقف الأدبي، والأسبوع الأدبي، وجريدة الثورة، ومجلة المعرفة، ومجلة الكفاح العربي، ومجلة أسرار الشرق الأوسط، إلى جانب منابر ثقافية أخرى.
صدر له أربعة دواوين شعرية، هي: «أشقّ عصا الطاعة وأعشق»، وهو ديوان فصيح مشترك؛ و«الدائرة»، في الشعر الفصيح؛ و«قطا وليل والكدري»، في الشعر الشعبي الفراتي؛ ثم «قدمان مائيتان» في الشعر الفصيح. وتكشف هذه العناوين وحدها جانباً من عالمه: العصيان مقترن بالحب، والدائرة بما توحي به من حصار وتكرار، والقطا والليل والكدري بما تحمله من رائحة البادية والفرات، والقدمان المائيتان بوصفهما صورة للإنسان الذي يمشي فوق ذاكرته الهشة، أو يحاول عبور العالم من دون أن يفقد صفاءه.
وبقي جانب واسع من إنتاجه حبيس المخطوطات بسبب ضيق الحال. ومن بين أعماله الجاهزة أو شبه الجاهزة للطباعة مجموعات قصصية عدة، وروايات طويلة، ودراسات في نقد القصة، ودراسات وبيانات شعرية، ومجموعة قصصية بعنوان «الهوتة»، وديوان شعري بعنوان «أشجار دمي»، فضلاً عن أكثر من أربعة دواوين أخرى لم تجد طريقها إلى النشر. وتمثل هذه المخطوطات وجهاً من مأساة الكاتب العربي الذي قد يملك مشروعاً إبداعياً واسعاً، لكنه لا يملك المال اللازم لإخراجه إلى النور.
ولم يكتفِ السراج بالكتابة الفردية، بل آمن بأن الثقافة فعل اجتماعي وحوار جماعي. ففي الخامس عشر من تشرين الأول عام 1989 أسّس مع مجموعة من أدباء مدينته الرّقة المنتدى الثقافي الديمقراطي، وهو أول منتدى ثقافي من نوعه في المحافظة. رفع المنتدى شعار: «حوار – مشاركة – إبداع»، وانطلق من مبدأ أن كلمة «لا» لا ينبغي أن تُقال لإلغاء الآخر.
شارك في تأسيس المنتدى كل من الروائي والقاص محمد غانم، والروائي والقاص أسعد فخري، والشاعر عبد اللطيف خطاب، والروائي والقاص محمد الأحمد، أبو النشمي، إلى جانب عايد السراج. واستطاع المنتدى خلال مدة قصيرة تنظيم نحو خمسين ندوة وأمسية شملت الشعر والقصة والدراسات الأدبية والفكرية والموسيقى والفن التشكيلي. كان فضاءً حراً لا يتبع أي تنظيم سياسي، لكنه أُغلق بقرار من الجهات الأمنية في السابع عشر من تشرين الأول سنة 1990، بعد عامين تقريباً من تأسيسه.
لقد كان إغلاق المنتدى تعبيراً عن الخوف من الحوار ذاته؛ فالسلطة التي تخشى الكلمة لا تفرّق كثيراً بين قصيدة واجتماع سياسي. ومع ذلك بقيت تجربة المنتدى علامة مهمة في الحياة الثقافية بالرّقة، ودليلاً على محاولة تأسيس مجتمع ثقافي يقوم على الاختلاف والمشاركة، لا على الوصاية والإقصاء.
امتلك السراج أيضاً موهبة في التمثيل، وشارك في عدد من الأعمال المسرحية. ومن أبرز أدواره تجسيده شخصية بلال الحبشي في مسرحية «ليل العبيد» للكاتب المسرحي السوري الكبير ممدوح عدوان، وقد عُرضت المسرحية على خشبة المركز الثقافي في الرّقة. كما قُدّمت له مسرحية من تأليفه تناولت القضية الفلسطينية. وفي المسرح وجد امتداداً طبيعياً للشعر؛ فالكلمة المكتوبة تتحول فوق الخشبة إلى صوت وجسد وحركة، وتغدو الفكرة مواجهة مباشرة مع الجمهور.
اقترب السِّراج من العمل السياسي بوصفه رد فعل على واقع الاستبداد، لا سعياً إلى منصب أو امتياز. وقد عُرضت عليه، بحسب ما يذكر، إغراءات وفرص تتصل بمجلس الشعب وغيره، لكنه لم يجعل السياسة مهنة، وابتعد عنها منذ أكثر من خمسة وعشرين عاماً، بعدما أدرك أن المجال الذي يستطيع من خلاله أن يكون أكثر صدقاً واستقلالاً هو الأدب.
رفض الانضمام إلى اتحاد الكتّاب العرب واتحاد الصحفيين السوريين، انطلاقاً من موقفه النقدي من طبيعة هاتين المؤسستين وصلتهما بالسلطة. كان رفضه امتداداً لموقفه القديم من المؤسسات التي تطلب من الكاتب شيئاً من حريته مقابل الاعتراف به. فقد اختار أن يبقى خارج الأطر الرسمية، حتى لو كلّفه ذلك العزلة أو ضياع فرص النشر والدعم.
واصل نشر أعماله عبر المنابر الإلكترونية، وبلغ عدد ما نشره في موقع الحوار المتمدن نحو 550 مادة، تنوعت بين الدراسات والقصائد والمقالات الفكرية والفصول الروائية والنصوص الأدبية المختلفة. كما اتخذ من موقع فيسبوك نافذة للتواصل مع القراء، بعدما أتاحت المنصات الرقمية للكاتب ما حُرم منه طويلاً في الصحافة الورقية والمؤسسات الرسمية.
على المستوى الأسري، عايد سعيد السِّراج متزوج، وله ولدان وبنت. ويقيم حالياً في هولندا، حاملاً معه ذاكرة الرصافة والبادية والرّقة وحمص، ووجوه الأصدقاء الذين شاركوه الحلم الثقافي، وأصداء المنابر التي فُتحت أمامه ثم أُغلقت. ولعل الإقامة في المنفى لم تُبعده عن المكان الأول، بل جعلت الرّقة أكثر حضوراً في وجدانه؛ فالأمكنة التي نغادرها تحت ضغط الظروف كثيراً ما تتحول داخلنا إلى مدن كاملة، نعيد بناءها باللغة كلما هدمها الغياب.
تمثل سيرة عايد سعيد السِّراج سيرة مثقف لم ينفصل إبداعه عن محنته الشخصية والعامة. فمن حريق البيت وجراح الأم، إلى موت الأب، ومن الفصل من الدراسة والعمل إلى إغلاق المنتدى والمنع من النشر، ظلّت حياته تتحرك بين الخسارة والمقاومة. لكنه لم يسمح للحرمان بأن يختصر تجربته، بل حوّل الألم إلى كتابة، والمنع إلى إصرار، والمنفى إلى ذاكرة مفتوحة.
إنه شاعر خرج من البادية، لكنه لم يحمل منها الصمت وحده؛ حمل أيضاً اتساع الأفق وصلابة الاحتمال. وحين دخل المدينة، لم يذب في ضجيجها، بل ظلّ يبحث عن الإنسان خلف الأبنية والمؤسسات والشعارات. وفي تجربته يتجاور الشاعر والروائي والناقد والممثل والرياضي والمثقف الديمقراطي، غير أن الرابط الأعمق بين هذه الوجوه جميعاً هو إيمانه بحرية الإنسان وحقه في التعبير.
وهكذا تبدو حياته امتداداً للعنوان الذي اختاره لأحد دواوينه: «أشقّ عصا الطاعة وأعشق». فقد شقّ عصا الطاعة لا بدافع العناد المجرد، بل لأن الطاعة العمياء تناقض جوهر الإبداع، وأحبّ لأن الحب، في نظر الشاعر، هو الوجه الآخر للحرية. وبين العصيان والعشق، ظل عايد سعيد السراج يكتب سيرته بالحبر والرفض والحنين، مؤمناً بأن الكلمة، وإن حوصرت زمناً، تستطيع أن تعبر الحدود وتعيش أطول من الذين حاولوا إسكاتها.

عبد الكريم البليخ
17/6/2026

مقال منشور في (المزمار العربي)عبد السلام العجيلي.. ذاكرة الرّقة التي لا تغيب
17/06/2026

مقال منشور في (المزمار العربي)
عبد السلام العجيلي.. ذاكرة الرّقة التي لا تغيب

عبد الكريم البليخ عُرف الأديب الراحل عبد السلام العجيلي كاتباً موهوباً ومجدّداً، أسهم في تأسيس فن قصصي عربي شديد الخصوصية، مزج فيه بين تقنيات السرد الحديث وروح الح....

حرائق مستجد نكيب..في وقتٍ يترقب فيه مزارعو محافظة الرّقة حصاد جهدهم السنوي، تحولت الآمال إلى رماد في منطقة “ مستجد نكيب”...
14/06/2026

حرائق مستجد نكيب
..
في وقتٍ يترقب فيه مزارعو محافظة الرّقة حصاد جهدهم السنوي، تحولت الآمال إلى رماد في منطقة “ مستجد نكيب” جراء حريقٍ مروّع التهم آلاف الدونمات من المحاصيل الاستراتيجية.
في متابعة ميدانية لأبعاد الكارثة، يروي أحد شهود العيان على الحادثة ـ تفاصيل الحريق المروع الذي التهم الأراضي الزراعية في منطقة “ مستجد نكيب” الواقعة على الحدود الشمالية الشرقية للمدينة. ويشير بأصابع الاتهام الأولى نحو مكب النفايات القريب، الذي تشتعل فيه النيران على مدار الساعة، مرجحاً فرضية “العامل البشري” المرتبط بالقاطنين في المخيمات العشوائية المحيطة بالمكب، والذين يعتمدون في معيشتهم على جمع النفايات وعمالة الأطفال، في بيئة تفتقر لأدنى مقومات السلامة والأمان.
وفي هذا السياق، يتساءل البعض عن مبررات استمرار وجود هذه المخيمات حتى اليوم، موضحين أن نصف قاطنيها قد عادوا بالفعل إلى مناطقهم الأصلية في أرياف حماة وحمص والبادية وريف معدان ودير الزور، بعد أن استقرت الأوضاع وانتفت المخاوف الأمنية السابقة التي دفعتهم للنزوح، محذراً في الوقت ذاته من تحول هذه العشوائيات إلى قنابل موقوتة تهدد الأمن الغذائي للمنطقة برمتها.
وفقاً لشهادة المزارعين، فقد اندلعت الشرارة الأولى للحريق في تمام الساعة 3:20 من عصر يوم الجمعة (12 حزيران/ يونيو 2026). ويروي السيد عمر تفاصيل الدقائق الحرجة قائلاً: وصلنا إلى موقع الحريق عند الساعة 3:25، ولعدم معرفتنا برقم جهوزية الإطفاء، سارعنا بالاتصال بموظف مديرية الزراعة، الذي قام بدوره بالتواصل مع فرق الإطفاء. لكن الاستجابة جاءت مخيبة للآمال؛ حيث طالبنا الطرف الآخر بإرسال ‘صورة للحريق’ عبر الهاتف كشرط لتحرك الآليات! وهو ما تسبب في تأخير وصولهم لنحو 15 دقيقة، رغم أن المسافة الفاصلة بين مركز المدينة وموقع الحريق لا تتعدى 4 كيلومترات فقط”.
خلال تلك الدقائق المصيرية، هبّ أهالي المنطقة بأعداد كبيرة لمحاصرة النيران، إلا أن الإمكانات البدائية وقفت عاجزة أمام امتداد اللظى، باستثناء مبادرات بطولية لعدد من المزارعين الذين جازفوا بآلياتهم؛ حيث اندفعت جرارات زراعية وآليات ثقيلة (“تركس” مدني) إلى عمق النيران لفلاحة الأرض وإنشاء خطوط عزل ترابية لوقف زحف الحريق. وقد تميزت في هذه الملحمة جرارات كل من:”علي المطر، وعلي الحسين، وعبد الجبار العبد الغفور، وحسن العبد الغفور” الذين طوقوا النار بآلياتهم للحد من اتساع الرقعة المحترقة.
ومع وصول فرق إطفاء المدينة، انتقد المتضررون غياب الحرفية في التعامل مع الموقف؛ إذ تمركزت سيارتان خلف الحريق في تموضع غير مجدٍ ميدانياً. وفي مقابل هذا الإخفاق، برزت الكفاءة والعزيمة الاستثنائية لفرق الإطفاء القادمة من الأرياف؛ حيث نجحت سيارة قادمة من ريف الرقة الشرقي، وسيارتان من قرية “حزيمة” (الواقعة على بعد 20 كم شمال الرقة) في قلب موازين المعركة ضد النار، وكان لجهودهم الدور الأبرز في السيطرة على الألسنة المشتعلة.
على الجانب الإداري، قطع مدير الزراعة عطلته الرسمية في مدينة “تل أبيض” (الواقعة على بعد 100 كم شمال الرقة) ووصل إلى الموقع في تمام الساعة 5:30 مساءً لمتابعة الأزمة. ومع ذلك، يسود استياء عارم بين الأهالي نتيجة الغياب التام لعموم المسؤولين المحليين عن المنطقة المنكوبة، على الرغم من محاذاتها المباشرة للمدينة. ولم يصدر حتى اللحظة أي تصريح رسمي يوضح أسباب الكارثة، كما لم يتم استدعاء أي من المزارعين المتضررين للاستماع إلى مطالبهم، أو تشكيل لجان رسمية لتقييم المساحات المحروقة وحجم الخسائر الفادحة التي تكبدها القطاع الزراعي.
لم تكن العوامل الطبيعية وحدها المتهمة في التهام المحاصيل؛ إذ يكشف الجانب الإداري والخدمي عن ثغرات واضحة ساهمت في تأخير الموسم وتفاقم الكارثة. وفي هذا الصدد، يذكر السيد مكري العبد العزيز البشير ـ أحد المزارعين المتضررين ـ أن المساحة الإجمالية المتضررة جراء حريق منطقة “نكيب” تُقدر بما بين 1500 إلى 2000 دونم، كان نصيبه الشخصي منها خسارة 100 دونم بالكامل، في حين توزعت باقي الخسائر على أراضٍ تعود ملكيتها لكل من:” قصي الحمود، المكري البشير الهويدي، حمود الكجوان، حمد الكجوان، شحاذة الكجوان، حسن العمرو، عبد القادر العبد الإله، العبد العزيز البشير الهويدي، العلي المشلب، محمد الغازي، الگراف الشگطي، العبد الخليل، محل الحمود، ابراهيم العساف، محمد المحمود، محمد النعمة وآخرين”.
ويعزو العبد العزيز الكارثة إلى غياب التدابير الوقائية والاحترازية، موجهاً أصابع الاتهام المباشرة إلى آلية “المنصات الإلكترونية” التي استُحدثت مؤخراً لتنظيم أدوار توريد القمح والشحن؛ حيث تسببت هذه المنصات في تعثر ميكانيكية الحصاد وتأخيرها بشكل غير مسبوق. ويضيف مستنكراً: “وفقاً للمنصة الرقمية، فإن دوري في التوريد لن يأتي حتى التاسع عشر من تموز (يوليو) القادم، علماً أنني سأقوم بتوريد المحصول بصفة ‘فرط’ (دغمة) دون أكياس. والسؤال الذي يفرض نفسه: كيف يمكن للمزارع أن يحصد أرضه إذا لم يحن موعد توريده الرسمي؟ هل يترك القمح عرضة للحرائق أم يبقيه في العراء؟ وكيف له أن يحصده ويخزنه لموعد التوريد وهو مجبر على توريده دون أكياس (دغمة)؟!”
هذا التعثر الرقمي أكده مهندسون زراعيون وخبراء في المنطقة، والذين أشاروا إلى أن مواسم الحصاد والتوريد في مثل هذا الوقت من الأعوام السابقة كانت تكون في نهاياتها، بينما نجدها اليوم في ذروة الخطر بسبب فرض برمجيات وحجوزات إلكترونية معقدة على شريحة واسعة من الفلاحين الذين لا يجيدون التعامل مع التكنولوجيا، وسط غياب تام لورشات التدريب أو التأهيل الإداري.
هذا البطء الإجرائي ترك آلاف الدونمات دون حصاد حتى وقت متأخر من الصيف، لتتزامن مع الارتفاع الحاد في درجات الحرارة وقربها من مكبات النفايات المشتعلة دوماً بسبب عشوائية قاطني المخيم الذين ينبشون المكبات ويحرقونها، غير مدركين حجم الخطر والضرر الناجم عن ذلك، لا سيما وأنه لا يفصل تلك المكبات عن الحقول سوى طريق بعرض 6 أمتار فقط.
وفي سياق الملف الخدمي، يؤكد المتضررون تقديمهم شكاوى ومطالبات متكررة لمجلس مدينة الرقة لنقل مكبات النفايات العشوائية وإبعادها عن المحيط الحيوي للأراضي الزراعية والمناطق السكنية إلى مواقع أكثر أماناً، إلا أن تلك المطالب قوبلت بتجاهل تام ودون أي استجابة تذكر.
ويتعدى اللوم الإدارة المحلية ليصل إلى عمق التخطيط الحكومي؛ حيث كشفت مصادر مطلعة عن أكثر من طرح ضمن أكثر من اجتماع ضم فعاليات مجتمعية مع الجهات المعنية من المؤسسات الحكومية ذات الصلة وبعض مسؤولي المحافظة عن ضرورة اتخاذ إجراءات وتدابير وقائية احترازية للتعامل مع طارئ من هذا النوع في حين غاب عن المعنيين وضع خطة طوارئ لمرحلة الحصاد بل ذكر البعض تفيد المصادر ذاتها أن بعض المسؤولين استغربوا الطرح في إشارة تعكس غياب أي فكر تخطيطي أو دراسة استباقية للمخاطر التي قد تهدد الرقة، باعتبارها واحدة من أهم الخزانات الزراعية في البلاد.
ويشدّد الفلاحون على أن هذا الغياب كان يستدعي ـ على الأقل ـ استقدام فرق إطفاء ومعدات مساندة وتعزيزات من المحافظات والمناطق غير الزراعية أو الأقل مساحة كدمشق وغيرها، لتغطية العجز والنقص الحاد في إمكانات الإطفاء المحلية، خاصة مع وجود تحذيرات مسبقة ومخاوف جديّة من احتمالية وجود أفعال تخريبية متعمدة تغذيها الظروف السياسية والأمنية المعقدة في المنطقة. ورغم كل هذا، لم تسجل المنطقة زيارة أي مسؤول حكومي للوقوف على أطلال الرماد التي خلفها الحريق.
ومن هذا المنطلق، تعالت الأصوات المنادية بضرورة التخطيط الشامل على كافة المستويات الدائمة والموسمية، والعمل على متابعة ورصد مكامن الخطر، وأخذ الشكاوى على محمل الجد، مع إشراك المجتمع الرقّاوي في عملية التخطيط والإدارة كونهم الأعلم بما تستلزمه مناطقهم وأدرى بمكامن الخلل والخطر ومواقيته للتعامل معه. كما شدد الأهالي على وجوب تشكيل لجنة تحقيق عاجلة للوقوف على مسببات الحريق، ومعالجة ملف المخيّمات العشوائية وأسباب بقائها، مطالبين في الوقت ذاته بتشكيل لجنة لحصر حَجم الأضرار وتعويض المنتجين الذين خسروا مواسمهم بالكامل.

مؤيد العجيلي
14/6/2026

للمرة الثانية..عن مزارع المشروع الرائد..يُعدّ «المشروع الرائد» وقوانين الإصلاح الزراعي من أكثر الملفات إثارة للجدل في من...
13/06/2026

للمرة الثانية..
عن مزارع المشروع الرائد..
يُعدّ «المشروع الرائد» وقوانين الإصلاح الزراعي من أكثر الملفات إثارة للجدل في منطقة الفرات خلال العقود الماضية، نظراً لما خلّفاه من تحولات اقتصادية واجتماعية عميقة ما تزال آثارها حاضرة في ذاكرة الأهالي حتى اليوم. فبينما قُدّمت هذه السياسات بوصفها جزءاً من مشروع تنموي طموح يستهدف تحديث القطاع الزراعي، واستصلاح الأراضي، وتوسيع الرقعة المروية، يرى كثير من المتضررين أنها أسهمت في إحداث تغييرات جذرية في أنماط الملكية الزراعية، وأعادت رسم ملامح العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في المنطقة.
ومع انطلاق المشروع الرائد في سبعينيات القرن الماضي، توسعت الدولة في عمليات الاستملاك تحت مظلة «المنفعة العامة»، وأنشأت عدداً من المزارع النموذجية، من بينها الأسدية، واليعربية، والعدنانية، وحطين، وبدر، ومضر، والغسانية، وربيعة وغيرها. وترافق ذلك مع تنفيذ شبكات واسعة للري والصرف الزراعي، كان يُفترض أن تسهم في زيادة الإنتاج الزراعي وتحسين الظروف المعيشية للسكان.
وكان الهدف المعلن من إنشاء هذه المزارع استيعاب سكان القرى التي غمرتها مياه سد الفرات، وتأمين بدائل سكنية وزراعية لهم ضمن مشروع تنموي واسع النطاق ارتبط بمرحلة بناء السد وما رافقها من تحولات كبرى في المنطقة. غير أن آثار هذه التجربة تجاوزت إطار إعادة توطين المتضررين، لتتحول إلى عملية إعادة تشكيل واسعة للملكية الزراعية والبنية الاجتماعية، من خلال إنشاء تجمعات سكانية جديدة وإعادة توزيع الأراضي وفق رؤية مركزية للدولة سعت إلى تنظيم المجتمع الريفي وإدارة موارده الاقتصادية ضمن منظومة جديدة.
في المقابل، أثارت هذه السياسات اعتراضات واسعة لدى شريحة من ملاك الأراضي الذين رأوا أن إجراءات الاستملاك والتعويض لم تحقق العدالة المطلوبة، وأن التعويضات الممنوحة لم تكن متناسبة مع القيمة الفعلية للأراضي أو مع الخسائر الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن فقدانها. كما يرى منتقدو المشروع أن الوعود التي رافقت إطلاقه لم تنعكس بالشكل المأمول على الفلاحين أنفسهم، إذ استمرت مشكلات الفقر وضعف الإنتاجية، وبقيت العديد من التحديات التنموية قائمة رغم مرور عقود على تنفيذ المشروع.
وتكشف الشهادات والوثائق المتداولة حول تلك المرحلة عن جدل مستمر بشأن آليات التقدير والتعويض، ودور المؤسسات الرسمية والتنظيمات الفلاحية في إدارة هذا الملف، فضلاً عن التأثيرات التي تركتها تلك السياسات في البنية الاجتماعية التقليدية والعلاقات التاريخية بين المالكين والفلاحين.
وبعد مرور أكثر من نصف قرن على انطلاق هذه التجربة، لا يزال ملف الاستملاك في الرقة قضية مفتوحة تتشابك فيها الأبعاد القانونية والاقتصادية والاجتماعية، وتثير تساؤلات جوهرية حول مفهوم المنفعة العامة، وحدود تدخل الدولة في الملكية الخاصة، ومدى عدالة سياسات التعويض وإعادة التوزيع، فضلاً عن تقييم النتائج الفعلية للمشروعات التنموية التي أُطلقت تحت شعارات التحديث والتنمية الزراعية.

عبد الكريم البليخ
13/6/2026

المشروع الرائد.. تفكيك المجتمع ونهب الأرضقوانين الإصلاح الزراعي.. غطاءٌ قانوني لنزع الملكية..تحت لافتة “المشروع الرائد” ...
13/06/2026

المشروع الرائد.. تفكيك المجتمع ونهب الأرض
قوانين الإصلاح الزراعي.. غطاءٌ قانوني لنزع الملكية
..
تحت لافتة “المشروع الرائد” الذي انطلق في سبعينيات القرن الماضي في منطقة الفرات، خاضت الدولة السورية تجربة تنموية طموحة ظاهرياً، لكنها أثارت في جوهرها جدلاً لم ينتهِ حول شرعية أدواتها. فبينما سوّقت الخطاب الرسمي للمشروع بـ “كلمة حق” تهدف إلى تحويل الزراعة التقليدية إلى نمط مروي مكثّف عبر استصلاح الأراضي البور، وتمديد شبكات الري، وتشييد منظومات الصرف الزراعي ـ الرئة الضرورية لمنع تملّح التربة ـ كشف الواقع عن وجه آخر لا يقل أهمية عن الجانب التقني.
لقد كانت “المزارع النموذجية” التي انتشرت في المنطقة، مثال (الأسدية، اليعربية، العدنانية، وحطين وغيرها)، تجسيداً لعملية “هندسة اجتماعية” واسعة، سعت من خلالها الدولة إلى سحب الأراضي من أصحابها تحت بند “المصلحة العامة” وتسكين الفلاحين في بؤر مخططة مركزياً، لتفكيك البنى الاجتماعية التقليدية والولاءات العشائرية، وإعادة صياغتها وفق نمط “حداثي” تسيطر فيه السلطة على أدق تفاصيل دورة الإنتاج.
غير أن “الباطل” الذي أُضمر في طيات المشروع تجلى في مآلات تلك المزارع التي تحولت بمرور العقود إلى تجمعات تئن تحت وطأة الإهمال، حيث فقد المالك ملكيته بينما ظل الفلاح في فقره ـ الذي وُعد بالاستقرار ـ ليصبح مجرد أداة في مشروع تآكلت بنيته التحتية، وباتت أراضي “الاستصلاح” نفسها تعاني من تراجع الجدوى الاقتصادية، مخلفةً ندوباً اجتماعية لا تزال ماثلة.
تتجاوز أزمة الاستملاكات في الرّقة حدود النزاع العقاري؛ إذ تكشف الأوراق والشهادات عن هندسة قانونية أُحكمت لإفقار الملاك. فوضع إشارة الاستملاك على العقارات تحوّل إلى “حجز قانوني” طويل الأمد على مستقبل العائلات، حيث أدى منع الملاك من استثمار أراضيهم أو البناء عليها إلى شلل في قيمتها، ما دفعهم للرضوخ لتعويضات زهيدة فرضتها لجان تفتقر للعدالة ومنهم من رفض استلامها!
وهنا تبرز “لعبة التقدير” كوجه قاتم، حيث تفاوتت الأسعار بشكل مريب، ففي بعض الحالات قُدرت الأرض بـ 6 قروش للمتر الواحد مقابل 125 ليرة في مواقع متقاربة، وهو “تصنيف انتقائي” خضع لنفوذ سياسي لا لتقدير موضوعي. لقد تحوّل “اتحاد الفلاحين”، الذي كان من المفترض أن يكون صوتاً للمجتمع، إلى أداة بيد السلطة، حيث غُيّب المالك الحقيقي عن لجان التقدير واستُبدل بجهات يسهل تطويعها، لتصبح “المصلحة العامة” عباءة مطاطة.
ولم يقف الأمر عند الخسارة المادية؛ إذ وُصم الملاك بـ “عملاء الاستعمار” لتقويض استقلالهم، بينما عانى الفلاحون الذين منحوا حق الانتفاع من وضع “المحظي” لدى الدولة، بلا ملكية قانونية وبلا إنتاجية حقيقية، ما خلق شرخاً اجتماعياً عميقاً بين المالك والفلاح، وأسس لواقع اقتصادي مُهجَّن.
لم يكن الاستملاك القهري إجراءً إدارياً فحسب، بل ممارسة تجاوزت منطق “المنفعة العامة”. فبدلاً من الدراسة العقارية لما يمكن استصلاحه أو استبعاده عن خطة الاستصلاح، اعتمدت الدولة حلول إسعافية سريعة دون النظر في طبيعة الأراضي جيولوجياً؛ وهو ما يعتبره الفنيون خطأً كبيراً والقانونيون “انتهاكاً جسيماً” لحقوق الملكية دون مبرر لاستملاك كل الأراضي خصوصاً ما لم يكن بالإمكان استصلاحه واستبعد عن الري وظلت حيازته للدولة؛ إذ استأثرت السلطة بمساحات شاسعة استُبعدت من خطط الري، وبقيت حبيسة الحيازة الحكومية، محرمةً على المالكين.
وتتجلى هنا “المصادرة بالتبعية”، حيث وضعت الدولة يدها على المحيط الجغرافي للمشاريع تحت ذرائع كـ “مناطق الحماية”، أو “الطرق الخدمية”، أو “التوسع المستقبلي”. أدى هذا النهج إلى تعقيدات بنيوية كإغفال حقوق الورثة في أراضي الشيوع، وترك السجلات العقارية رهينةً لإشارات استملاك معلقة، حيث ترسّخت حالة من القهر القانوني أفرغت الملكية الفردية من مضمونها.
في أراضي “الرّقة أولى” كانت معاناة مدينة الرّقة من تداعيات عمرانية وبيئية وخيمة نتيجة قرارات تخطيطية افتقرت إلى الدراسات الجيولوجية الرصينة، حيث تسببت عمليات الاستملاك المتسارعة والمشاريع الإنشائية غير المدروسة في الإخلال بالتوازن الطبيعي للمنطقة. ويشير خبراء إلى أن توسع المدينة شمالاً، وما رافقه من مشاريع استصلاح زراعي وشبكات ري وصرف، أدى إلى تفاقم مشكلة ارتفاع منسوب المياه السطحية؛ نظراً لطبيعة الأرض ذات الميول الجغرافية المتجهة من الشمال إلى الجنوب، والقرب من ضفاف نهر الفرات، ما جعل أجزاء واسعة من المدينة تعاني فعلياً من “التشبّع المائي”.
وفي المقابل، أدى توجيه المشاريع السكنية نحو جنوب المدينة ـ في المنطقة التي تشكل السرير الطبيعي للنهر ذات التربة الخصبة التي كان يفترض أن تُخصص كحزام أخضرـ إلى خلق واقع عمراني مأزوم. فقد أدى البناء فوق الأراضي المفيضة أو القريبة من المجرى إلى ظهور الرطوبة المزمنة في الأبنية الحديثة، حيث تترشح المياه الجوفية لتصيب حتى الطوابق العليا، ما يضع علامات استفهام كبيرة حول الجدوى الفنية لهذه المخططات وتداعياتها على استدامة البناء والسلامة الإنشائية.
لقد جاء التخطيط الزراعي والعمراني في الرّقة عكسياً ومناقضاً للمنطق الجغرافي؛ إذ حُرمت المناطق الشمالية الصالحة للسكن من التوسع، في حين زُجّ بالمشاريع السكنية في جنوب المدينة داخل سرير النهر، ما جعلها عرضة لرطوبة جوفية تهدد سلامتها الإنشائية، بينما تحوّلت المساحات التي كان من المفترض أن تكون حزاماً أخضر ينعش المدينة إلى تجمعات سكنية مهدّدة بالانهيار البيئي والإنشائي. واستُخدمت ترسانة من الحيل القانونية لتحويل المالك التاريخي إلى “منتفع” هائم:
*فخ التعويض: لُجئ إلى “إيداع التعويض في المصرف” كحيلة لإخلاء ذمة الدولة، ومع رفض اصحاب الأراضي المستملكة استلام التعويض الزهيد لجأت السلطة إلى وضع المبلغ في البنك مع اخطار المعوضين باستلام المبلغ خلال خمسة عشر عاماً وفي حال عدم الاستلام يؤول المبلغ إلى الخزينة العامة لإبراء ذمة الدولة ومع ذلك فقد سحبت مبالغ التعويضات بعد ثلاث سنوات فقط ولم تلتزم الدولة بالمدة التي حددتها سابقاً.
*القرار 83 والتفتيت: جاء القرار رقم 83 الصادر عن القيادة القطرية لحزب البعث عام 2000 بحل المشروع الرائد ليُجهز على ما تبقى من حقوق. لم تأتِ التعليمات التنفيذية لإعادة الحقوق، بل شنت حرباً على الملاّك. لم يكن القصد هنا “تنظيم الحيازات”، بل تقليص الحصص إلى الحد الذي تصبح فيه غير قابلة للاستثمار؛ فعندما تُفتت الـملكيات من 50 هكتار بين عشرات الورثة، ثم تُحدد بـ 30 دونماً للجميع، فهنا تم القضاء على مفهوم “الأسرة الملاك” التي كانت تملك ثقلاً اقتصادياً وتنموياً، وتحولها إلى أفراد عاجزين لا يملكون حتى مقوّمات الزراعة المعيشية (ولا تكفيهم مكان قبر)، بهدف ضرب القوة الاقتصادية والاجتماعية والإصرار على العداء للعائلات الزراعية التقليدية، وفرض “مساواة في الفقر” بين المالك الذي سُلب مُلكه والفلاح الذي أعطي ما لم يكن سبباً في غناه.
*مكرمات من “ملك الغير”: مارس النظام دور “واهب ما لا يملك”؛ فوزع أراضي الملاّك ك “مكرمات” على موظفي مؤسسة حوض الفرات، وعلى الفلاحين، والعمّال المثبّتين، وعمال العقود الموسمية، وعمال “المياومة” وأصحاب عقود المشاركة.. إلخ. ولم تكن هذه المزارع إلا “كانتونات” غير متجانسة جلبت أشخاصاً من أصول متباينة، حُشروا قسراً لتقويض الروابط القبلية والاجتماعية القديمة.
في المشهد الأخير من هذا الاستعمار الداخلي، تحولت البيروقراطية إلى سلاح فتاك؛ إذ تلاعبت اللجان بحقوق الورثة عبر اختزال أجيال من الملاّك في صفة “مالك واحد” صوري، لتفتيت القوّة الاقتصادية للأسر. ولم تكتفِ السلطة بسلب الأرض، بل مضت نحو “التجريد من المكان”؛ عبر نقل المالكين إلى أراضٍ تبعد 30 أو 40 كيلومتراً، مع تجاهل الفوارق الجوهرية في نوعية التربة والجودة.
إنَّ الأرض في الرّقة ليست مجرد مساحة، بل هي مرتبطة بخصوبة التربة وقربها من الفرات أو قنواته التاريخية؛ فعندما تأخذ أرضاً خصبة من “رقة أولى” وتُعوض المالك بأرض هامشية، فأنت لا تعوضه، بل تنتزع منه مورد رزقه وتجبره على الهجرة أو ترك الزراعة، ما يفرغ الأرض الأصلية المستولى عليها من أصحابها ليتم تخصيصها لمؤسسات الدولة أو للمحاسيب.
استُخدمت الأراضي المخصصة كمنشآت للمشروع الرائد كـ “محطة الأبقار” بعد حل المشروع لتتحول إلى ثكنات عسكرية ومقرات أمنية (كالفرقة 17) ولم توزع لمالكي الأرض الأساسيين بالرغم من ان الخبراء أكدوا على أن الموقع لا يصلح أن يكون مقراً لثكنة عسكرية ووجود مواقع استراتيجية لإقامة مثل تلك المقرات. بينما يُفترض أن يكون الاستملاك إجراءً استثنائياً تمليه ضرورة “النفع العام”، تحول هذا المبدأ القانوني في سياق القضية التي بين أيدينا إلى أداةٍ لنزع الملكية قسراً، دون أن يتبعها أي التزام أخلاقي أو قانوني في حال انتفاء الغاية منها.
وفقاً للقانون، كان يُفترض أن تعود الأراضي إلى مالكيها الأصليين فور الإقرار بفشل المشاريع التي استُملكت من أجلها. إلا أن الواقع كان أكثر قسوة؛ إذ لم يكتفِ القائمون على القرار السياسي بالتنصل من واجب إعادة الحقوق، بل سارعوا إلى “شرعنة” وضع اليد من خلال تعليمات تنفيذية جاءت أكثر إجحافاً من قرارات الاستملاك وإعادة التوزيع ذاتها، لتبدأ مرحلة توزيع الأراضي بناءً على أهواء سياسية بحتة بعيدة عن المنطق التنموي.
لم تتوقف فصول التجاوزات عند هذا الحد، بل توجها “الظلم الأشر” بمرسوم رئاسي - يصفه القانونيون بالانعطافة غير الدستورية - قضى بنقل ملكية هذه الأراضي من الجهة التي وضعت إشارة الاستملاك عليها (وزارة الري)، لتصبح تحت مسمى “أراضي الجمهورية العربية السورية”. هذا الإجراء لم يكن مجرد نقلٍ إداري، بل كان ضربة قاضية لكل المحاولات القانونية لاستعادة الحقوق؛ حيث أُغلقت ملفات الطعون، ونُسفت الدعاوى القضائية، ليصبح المرسوم “قاطع طريق” قانوني، يُحكم إغلاق الأبواب أمام أصحاب الحقوق في التظلم، ويُحيل قضيتهم إلى دهاليز العدالة المعطلة.
إن ما حدث في الرّقة لم يكن خللاً إدارياً، بل كان إعادة صياغة ممنهجة للديموغرافيا والملكية، حوّلت الأرض من “مورد رزق” للأهالي، إلى “أداة سيطرة” في يد السلطة، وأحالت المواطن إلى أسيرٍ لقرار إداري، في عملية استيلاء واسعة لم تكتفِ بالمصادرة، بل استهدفت وجود المالك وكرامته التاريخية.

مؤيد العجيلي
13/6/2026

مؤيد العجيلي
صحافي سوري

Adresse

النمسا
Vienna

Benachrichtigungen

Lassen Sie sich von uns eine E-Mail senden und seien Sie der erste der Neuigkeiten und Aktionen von الرّقة بلا أقنعة erfährt. Ihre E-Mail-Adresse wird nicht für andere Zwecke verwendet und Sie können sich jederzeit abmelden.

Teilen

Kategorie